الجصاص

226

الفصول في الأصول

تعالى : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) ( 1 ) لما أراد إفراد النبي بذلك خصه بالذكر ، وأخبر أن غيره لا يشاركه فيه ، لأنه لو لم يخصه لعقلت الأمة مساواتها له فيه . ويدل عليه : حديث المرأة التي سألت أم سلمة حين بعث بها زوجها إليها لتسألها عن القبلة للصائم ، فأخبرتها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ، فقال الرجل : لست كالنبي عليه السلام ، إن الله تعالى قد غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، فلما جاء النبي عليه السلام سألته ، فقال : النبي عليه السلام لأم سلمة : هلا أخبرتيها أني أقبل وأنا صائم ؟ فقالت أم سلمة : قد أخبرتها بذلك ، فقال زوجها : لست كالنبي ، إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، فغضب النبي عليه السلام ، وقال : إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ) . فأعلم النبي عليه السلام : أن وجود فعله في ذلك كان كافيا في الاقتصار عليه في مسألته عن حكم نفسه ، وإذا كان هذا على ما وصفنا ، فما علمناه من أفعال النبي عليه السلام واقعا على وجهه كان علينا الاقتداء به ، في إيقاعه على الوجه الذي فعله عليه ، وما لم نعلمه على أي وجه فعله قلنا فعله على وجه الإباحة ، إذ كانت أدنى منازل أفعاله ، وليس علينا فعله بدء ، ولا واجبا ، لأن فيه زيادة حكم لا نعلم وجوده . فإن قيل : شرط الطاعة والاتباع والتأسي بالنبي عليه السلام : أن يكون هو فعله ، حتى تقوم الدلالة على أنه قد أراد منا مثله . قيل له : لما قال تعالى : ( فاتبعوه ) ( 2 ) وقال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( 3 ) فكان الاتباع والتأسي : أن نفعل مثل ما فعله ، على الوجه الذي فعله عليه ، فقد أراد الله تعالى منا إيقاعه على ذلك الوجه ، وما أراد الله ( 4 ) من ذلك فقد أراده النبي عليه السلام منا ، بإرادة مقرونة بفعل مثله ، على الوجه الذي فعله عليه ، من الجهة التي ذكرنا . وأيضا : لما أقام الله لنا الدلائل : على أن حكم النبي عليه السلام وحكم أمته سواء ، إلا فيما خصه به على ما بينا ، فقد أراد منا : أن نفعل مثل فعله على ذلك الوجه ، ونكون